ابو القاسم عبد الكريم القشيري
70
لطائف الإشارات
إنما تطيب المنازل إذا خلت من الأجانب ، وأطيب المساكن ما كانت زينتها بفقد الرّقباء وغيبتهم ، فلمّا أهلك اللّه فرعون وقومه ، وأورث بني إسرائيل أموالهم وديارهم ، ومحا عن جميعها آثارهم - طاب لهم العيش وطلعت عليهم شموس السعادة . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 44 ] وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 44 ) لم تكن حاضرا فتعرف ذلك مشاهدة ، ولكنهم رأوا أنّ إخبارك عنهم بحيث لا يكذبك كتابهم . وبالضرورة عرفوا حالك ، وكيف أنّك لم تعلم هذا من أحد ، ولا قرأته من كتاب ، لأنّك أمّيّ لا تحسن القراءة ، وإذا فليس إخبارك إلا بتعريفنا إياك ، واطلاعنا لك على ذلك . ويقال : « وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ » : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى ، وكلّمناه ، وخاطبناه في بابك وباب أمّتك ، ولم تقدح غيبتكم في الحال ، وكونى لكم خير من كونكم لكم . ويقال : لمّا خاطب موسى وكلّمه سأله موسى : إنّى أرى في التوراة أمّة صفتهم كذا وكذا . . من هم ؟ وسأل عن أوصاف كثيرة ، وعن الجميع كان يجاب بأنّها أمة أحمد « 1 » ، فاشتاق موسى إلى لقائنا ، فقال له : إنه ليس اليوم وقت ظهورهم ، فإن شئت أسمعتك كلامهم ، فأراد أن يسمع كلامنا ، فنادانا وقال : يا أمة أحمد . . ، فأجاب الكلّ من أصلاب آبائهم ، فسمع موسى كلامهم ولم يدركهم « 2 » . والغنيّ إذا سأله فقير وأجابه لا يرضى بأن
--> ( 1 ) هكذا في ص وهي في م ( أمة محمد ) ، ونحسب أن الأرجح أن تكون أحمد طبقا للآية « ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد » ( 2 ) تنسب هذه الرواية إلى وهب ( القرطبي ح 13 ص 292 ) .